فوزي آل سيف
117
أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة
والإمام الحسين عليه السلام هنا بعد أن وجه الاتهام لمعاوية بأنه استأثر حتى أجحف بسائر الناس، ومنع حتى بخل، وجار حتى تجاوز، عطف الكلام على يزيد الذي جاء أبوه يسوّقه بين من يعرفه ويعرف سيرته. فقال له: كَأَنَّكَ تَصِفُ مَحْجُوبًا أَوْ تَنْعَتُ غَائِبًا"، أي: كأنك تتحدث عن أحد ليس معروفاً عندنا، كلا الرجل معروف عندنا تمامًا، وموقعه وخبراته وتوجهاته نعرفها، فينبغي أن تتركه مع ما هو خبير فيه من التحريش بين الكلاب المتهارشة، والسباق بين الحمام والطيور كما يفعل البطالون، والفتيات المغنيات وأدوات اللهو، فهذه الميادين تشهد بخبرته فيها، وأما الخلافة وسياسة الناس فهذا أمر غريب عنه وليس من قماشه ونسيجه! ثم حذره بأن يومه قريب فلا ينبغي أن يجمع فوق سيئاته سيئات ابنه، وأوزاراً فوق أوزاره، إلا أن معاوية الذي أشرب قلبه حب ابنه، ورأى فيه الامتداد لوجوده لم يكن في وارد أن يسمع نصيحة من ناصح، وإنما حذر الحسين عليه السلام وباقي من حضر بأنه سيتحدث في المسجد عن هذا وسيقيم على رأس كل واحد منهم سيّافا فإن تكلم منهم أحد بكلمة ضرب عنقه من دون انتظار أمر وقد أعذر من أنذر. معاوية يمضي لأمره تحت تهديد السيف فأرسل إليهم، وأوعز إلى رئيس الحرس، فقال له: هؤلاء أربعة، اجعل على رأس كل واحد منهم اثنين من الحرس، بيدهم السيف، فلو قام واحد منهم ليتكلم بتصديق أو تكذيب، فليضربوا عنقه، من دون الرجوع إليك، ولا الرجوع إلي - أي لا يسألوا في ذلك الوقت أنضرب عنقه أم لا- فهذا أمر ناجز وجاهز، ولا بد أن يضرب عنقه مباشرة، وبالفعل كان ذلك، ولم يقم أحد من الجماعة، وبالتالي لو أن الحسين - في هذه الأثناء – قام لكان قد أهدر دم نفسه من دون فائدة تذكر، لكن التصدي من الإمام عليه السلام كان